عبدالعزيز المقبالي، بحثت في نفسي كثيرا، وجدتني عاشقا للجمال، ومهووسا بالتكنلوجيا، وأحب مساعدة العلامات التجارية لتحقيق تجربة تسويقية ثرية.

Menu & Search

حاجات أم رغبات؟

18 أبريل 2016

إنها التاسعة مساء حين بدأ تصفح موقع Booking.com .. بين نقرات ونقرات نظر للساعة مجددا: “يا إلهي مر الوقت سريعا!” الواحدة صباحا إلا ربع، مرت ٤ ساعات في رحلة البحث عن الغرفة المناسبة في جزيرة بالي، كان مترددا بين غرفتين الفارق بينهما إطلالة جميلة و٢٥٠ دولارا إضافيا. يده تتنقل سريعا بين خصلات شعر رأسه، ثم يفرش أصابعه على لحيته المنتفشة كحكيم يوشك أن يفوه بأمر يقض مضجع العالمين، “٢٥٠ وإطلالة جميلة أم أكتفي بالغرفة الأرخص! لا لا علي أن أجرب، إنها رحلة، استمتع يا أحمد.” حدث نفسه والحماس يملؤه.
أخيرا وقع القرار على الغرفة ذات الإطلالة .. فعلها ولأول مرة في حياته، ومنذ ذلك اليوم وهو يختار الغرف المطلة على حديقة أو بحر أو أي شيء جميل.. يفعل أحمد ذلك مع كثير من ذكرياته والقهوة!

كم مرة حدث مثل هذا التردد معك؟ شخصيا مرات عديدة، كل ما كان يحتاجه أحمد هو غرفة يستقر فيها في سفره، لكن العرض المغري فتح له رغبات جديدة، مع الوقت تحولت تلك الرغبة الأولى إلى حاجة مستمرة.

عندما أهدتني زوجتي ساعة أبل لم أكن في حاجة لها فعليا -أستطيع العيش بدونها-، ولكن بالتأكيد كنت أرغب في استخدامها، كانت لدي رغبة كبيرة لتجربتها على الأقل. بعد عدة أسابيع من الاستخدام واعتمادي عليها في الإطلاع على الإشعارات والوقت ومعدل النشاط اليومي بتُّ ملتزما في ارتدائها، بل أشعر بأن شيئا ينقصني بدونها خاصة عند ممارسة المشي!

في المقابل، كم مرة رغبتُ بشراء شيء ما، واعتقدتُ بأن ذلك سيؤثر في حياتي، وأني محتاج له، وبعد الشراء لم أستخدمه حتى! كل ما حدث هو أني توهمت الحاجة بفعل السحر التسويقي، وأشبعت رغبتي!

هذا يحدث مع أغلبنا، لأننا بطبيعتنا نملك قلوبا تميل وترغب، ونملك عقولا تفكر بمنطق الحاجة. لو كنا نتخذ قرارات الشراء وفق منطق الحاجة لكسد السوق وقنع الكثيرون بالقليل، لكنها الرغبة، تفعل الأعاجيب في المتاجر المنتشرة حولنا حيث نشتري ما نحتاجه وما لا نحتاجه، وفي المواقع الإلكترونية إذ يسهل الإقناع ويسهل الشراء أيضا.

ولعلك تسألني: ما الفرق بين الحاجة والرغبة؟

إجابتي على هذا السؤال ما هي إلا اجتهاد شخصي، أرجوك لا تسلم بصحة ما أقوله، شَكِّك في كلامي كثيرا، فأنا هنا أفكر وأتأمل وأشاركك الفكرة!

الحاجات الأساسية حددها ماسلو في هرمه، (مع أنني لا أتفق معه تماما من حيث فكرة الهرم)، فلديك حاجاتك الفسيولوجية (تجوع فتحتاج الطعام، تضمأ فتحتاج الماء، وتحتاج التنفس، ونحتاج الجنس ..)، الأمان (تخشى من أي مكروه يصيب جسدك، تخشى على ممتلكاتك، وتحتاج للشعور بأمان وجود مال وموارد لديك لتعيش)، الحاجات الاجتماعية (تحتاج لأسرة، تحتاج لحنان وحب، تحتاج لصداقة، تحتاج الانتماء لفئة من الناس)، الحاجة للتقدير (أن تقدر ذاتك، أن يقدرك الآخرون، أن يحترمك الآخرون، يقدرون إنجازاتك)، الحاجة لتحقيق الذات (تشعر بحاجتك للعب دور فاعل في الابتكار، حل المشاكل، النمو بذاتك، تحقيق أهميتك في الوجود).

أحييك حقيقة إذا ما كنت مواصلا القراءة! فاجأتني 🙂

إذن ما هي الرغبة؟ (اجتهاد شخصي)

ياه يا رغبة، كم أتعبتيني وأنا أفكر فيك وأحاول فهمك! أسبوعان وأكثر من التفكير المتواصل لفهم الرغبة وتأثيرها في حياتنا، وهنا خلاصة ما توصلت له:

المفهوم الأول: الرغبة هي الخيارات الثرية والعاطفية فوق الحاجة، يمكن الاستغناء عنها، ولكننا نتمناها!

تحتاج للمطعم؟ ولكن مطعما من فئة نجمة؟ أم ٣ نجوم؟ أم ٥ نجوم؟ وتحتاج لشراء سيارة فهل تشتري سيارة رخيصة تفي بالغرض، أم سيارة مرتفعة الثمن وخيارات واسعة من الرفاهية؟ يبدو بأن الفرق بات واضحا! الرغبات هي تلك “الخيارات الثرية” التي يمكننا العيش بدونها.

كثيرة تلك الأشياء التي نرغب فيها لو كان بإمكاننا الحصول عليها، نرغب بتفاصيل أكثر، وتجارب تضفي لحياتنا معانٍ جميلة وممتعة ومفيدة.

عادة ما ترتبط الرغبات هنا بالجوانب العاطفية، فقد نفضل شراء منتج على آخر لأنه يشبع جانبا عاطفيا لدينا أكثر من المنتج الآخر، كمثال حذاء رياضي من نايكي Nike يقدم لي شعورا بالحيوية والتحدي مقارنة بحذاء آخر لا يحتوي على أي عاطفة. كثيرة تلك العلامات التجارية التي ترتبط بالعوطف الإنسانية كالفخامة والحب والأمان والحيوية والصحة والأبوة.

محاولة تفكير: بعد كتابة هذه التدوينة قمت بالبحث أكثر عن الحاجات والرغبات، وجدت إجماعا أن هذا المفهوم هو الأكثر تداولا في التفريق بين الحاجات والرغبات، وبصراحة كنت أظن بأن الفرق بين الحاجات والرغبات كذلك، ولكن سألت نفسي كثيرا: هل يمكن أن تتحول الرغبة لحاجة؟ الأمر الذي قادني لتبين مفهوم آخر للحاجات والرغبات.

المفهوم الثاني: الرغبة هي التجربة الجديدة لمنتج (أو خدمة) لم تتبين حاجته لدى الجمهور المستهدف.

إنني أذهب بعيدا في التفكير -لقد فكرت أياما عديدة بشأن الرغبة- وأرى  مفهوما آخر لها! .. فحتى الخيارات الثرية التي عرفناها في المفهوم الأول بأنها رغبات، ستبدو بأنها حاجات حقيقية! اختيارك لغرفة ٧ نجوم، وسيارة فارهة، إنما يأتي لإشباع حاجات أخرى تتصل تماما بالحاجات التي ذكرها ماسلو، فسواء كان شراؤك للسيارة الثرية من باب المباهاة فهي تأتي لإشباع حاجة الشعور بالتقدير، ولو اشتريتها لخيارات الأمان المرتفعة فهذا يعني بأنك محتاج لتشبع حاجة الأمان لديك، واختيارك الدرجة الأولى دائما في رحلات الطيران؛ لأنك تخشى من ضياع الوقت في طوابير الانتظار وتركز على الإنتاجية، ويعني بأنك تشبع حاجة تحقيق الذات. والسؤال: أين ذهبت الرغبة؟ أين هو موقعها؟!!

يبدو لي بأن عمر الرغبة قصير جدا في حياة البشر فهي تتعلق بأشياء لم يختبرها الناس بشكل كافٍ (على اعتبار أن الكثيرين يرغبون بشراء أشياء حصلت على توصية كبيرة من كثير من الناس أو الخبراء)، وعادة ما يتم تجريب الرغبة لأول مرة، كمثال الساعات الذكية وأجهزة الواقع الافتراضي، فهي تجربة جديدة لدى مجموع البشر، أولائك الذين يشترونها باكرا غير متأكدين كفاية إن كانوا محتاجين لها في حياتهم، ولكنهم يرغبون بتجربتها. مع الوقت أظهرت الساعات الذكية أهميتها في الصحة والرياضة، وبالتالي ظهرت الحاجات المتنوعة لها! إنني أتكلم عن التجربة الجماعية التي كانت رغبة ثم تحولت لحاجة. من يقرر الآن شراء ساعة ذكية من المؤكد بأن لديه خبرة كافية حصل عليها من مجموع تجارب الآخرين، وحينها فشراءه للساعة يعني حاجته لها (سواء كانت حاجة الأمان الصحي (تطبيقات الصحة في الساعة)، أو حاجة اجتماعية (تطبيقات المراسلة وإرسال المشاعر)، حاجة التقدير (برستيج، أناقة، مظهر).

باختصار: الرغبة تتعلق بالخيارات التي لم تتبين الحاجة فيها بعد! فتقول: أرغب بتجربة المنتج الفلاني، فإذا تبينت الحاجة تقول: نعم أحتاجه 🙂

يمكنك هنا غلق الصفحة، فقد وصل المعنى لك، ولكن إن كنت مهتما بالتسويق وبناء المشاريع والمنتجات فأقترح لك المواصلة، وشكرا لأنك تكرمني بهذا الاهتمام 🙂

هل قراراتنا مبنية على الحاجة أم الرغبة؟

سؤال خطير من المؤكد بأنه يهم أصحاب الأعمال التجارية، والمختصين في التسويق والتأثير.

إذا أخذنا بالمفهوم الأول، فالناس تتخذ قراراتها غالبا وفق رغباتها، من يشتري شيئا أكثر من حاجاته إنما يتطلع لخيارات أوسع تشبع رغباته العاطفية. وهذا الجانب تبدع فيها أكثر العلامات التجارية المرتبطة بالأناقة، لذا ركز على تسويق الرغبات الثرية، تلك الخيارات التي تجعل جماهيرك يشعرون بثراء تجربة المنتج، لا تكتفي بالخيارات الأولية المتوقعة والتي يحتاجها العميل، فالكل يشترك فيها. ولكن انتبه: قدم منتجك على أنه “حاجة أساسية” وليس مجرد رغبة!

لكن بالمفهوم الثاني، فالناس غالبا تتخذ قراراتها وفق منطق الحاجة! حتى لو سلمنا بأن المنتج يصدر لأول مرة عالميا، فشراء المنتج لا يرتبط فقط بالمنتج ذاته وإنما بالعلامة التجارية أيضا، الملايين من الأشخاص الذين اشتروا ساعة آبل في الأسابيع الأولى من صدورها كانت لديهم الثقة والتجربة القديمة مع العلامة التجارية “آبل”، وبالمثل يحدث مع بقية العلامات التجارية في صعيد السيارات وغيرها. لكن لو أصدرت علامة تجارية ناشئة منتجا ثوريا، فسيتطلب ذلك بعض الوقت (مدة اختبار الرغبة) ليتبين إن كان الناس محتاجين له، وحينها سيحكم على المنتج بالاستمرار أو التوقف! ونصيحتي هنا: اصنع رغبة جديدة (تجربة جديدة) وقدمها على أنها حاجة أساسية، مع الوقت سيختبر الناس هذه التجربة ويكتشفون حاجتهم فيها.

المنتجات الثورية هي تجارب جديدة صنعت حاجة إنسانية ثرية.

شيئٌ من الدهاء يحدث!

تأمُّلي للمفهوم الثاني ساعدني لرؤية فلسفة أخرى للتسويق وريادة الأعمال. هل نسوق الرغبات أم الحاجات؟ إذا أخذنا بالمفهوم الأول فسأقول لك: سوّق الرغبات، الناس يدفعون لأشياء فوق حاجتهم بمبالغ أعلى مقارنة بالحاجات الأولية. هذا لا يعني بأن منتجك يكون ضمن الفئات الراقية، ولكن ما أقصده قم بإضافة مزايا ثرية تميز منتجك عن المنافسين وتشبع رغبات عملائك العاطفية.

أما إذا أخذنا بالمفهوم الثاني: فهنا يتطلب التركيز على الابتكار، ابتكار تجربة جديدة كليا تجعل من منتجك فريدا من نوعه، تجربة غير متوقعة تضيف ثراءا لحاجاتنا المتنوعة. سنرغب بداية باختبار منتجك وإذا ما اكتشفنا أهميته وحاجتنا له فسيكون في قائمة اختيارتنا، وإلا فمنتجك سيبقى رغبة في طي النسيان.

الخلاصة:

  • صمم منتجك ليضيف تجربة مهمة لجمهورك، تجعلهم “محتاجين” بشكل مستمر له.
  • اصنع رغبة جديدة وسوقها على أنها حاجة.
  • أصل الأشياء رغبة، تحولت مع التجربة إلى حاجة أو فناء!
  • المنتجات الثورية هي تجارب جديدة صنعت حاجة إنسانية ثرية.
  • قم بتسويق الرغبات (الخيارات الثرية أو رغبة جديدة كليا) وليس الحاجات (الخيارات الأولية)، ولكن حينما تفعل ذلك فقدمها على أنها حاجة!

نصيحة للأصدقاء في التعليقات 🙂

11 مناقشات إلى post

  1. رسالة خاصة للأصدقاء:

    إياك أن تقع في فخ الإعلانات التجارية والرسائل التسويقية، إنهم يوهمونك بأنك “محتاج” لمنتجهم وخدمتهم، ويخاطبون العواطف الجميلة فيك (الحب، السعادة، الفخامة، الأمان، التحدي ..الخ)، فتقع في تأثيرهم وتقتني المنتج بقلبك دون عقلك.

    ربما هذا الحديث يساعدك لتقييم قرارات الشراء لديك، أي حاجة أو رغبة تريد إشباعها؟!

  2. الحاجات هي مشتركة بين الناس جميعهم، فالجميع يمتلك نفس الحاجة. أما الرغبة فهي تختلف من شخص لآخر، حيث تجد كل شخص يشبع حاجته برغبة تختلف عن الشخص الآخر. مثلا: الجوع هي حاجة مشتركة بيننا ولكن أحمد قد يشبع حاجته برغبة الأطعمة الشرقية، أما محمد فيشبعها برغبة الوجبات السريعة وآخر بالوجبات الشامية. فمعايير إختيار أحمد إختلفت عن معايير محمد ولهذا كانت هناك الرغبات مختلفة، لذلك الرغبة لايمكن الإستغناء عنها. تتعدد الرغبات والحاجة واحدة.

  3. يقول خالد الخروصي:

    موضوع رائع جدا أخي عبدالعزيز و للأسف كثير من الناس تبني مشترياتها على الرغبة اكثر من الحاجة و السبب ضعف المستهلك امام الإعلانات التسويقية الاحترافية ، سؤالك مهم و اعتقد يفترض كل إنسان قبل أن يقبل على الشراء ان يسأل : هل شراء لحاجةً او رغبة ! و مباشرة سيجد الإجابة حاضرة . شكرًا لك مرة اخرى اخي عبدالعزيز .

  4. يقول فيصل الحارثي:

    فهلا ان تسيطر على رغباتك العابرة و بمجرد كبسة زر تستطيع اقتناءها، تكون ملك نفسك

  5. يقول أبو الباسل:

    استمعت بقراءة المقال أخي واتمنى أن تلامس كتاباتك شريحة أوسع من الجمهور
    وبالفعل؛ نجحت الكثير من العلامات التجارية بإقناع زبائنها بأن منتجهم (والذي هو رغبة من الأساس) وحولته إلى حاجة بدهاء الإعلانات والتسويق،،،
    حفظك الله

  6. […] بصرية) للآخرين وليس لك، وتضع توجهاتهم، ونمط حياتهم، ورغباتهم واحتياجاتهم، كلها أمامك لتفعل الشيء الصحيح لهم وليس لك. والتصميم […]

لديك تعليق؟ فكرة؟ إضافة؟ هيا شاركنا

اكتب ما تريد البحث عنه ثم اضغط على زر الإدخال enter