عبدالعزيز المقبالي، بحثت في نفسي كثيرا، وجدتني عاشقا للجمال، ومهووسا بالتكنلوجيا، وأحب مساعدة العلامات التجارية لتحقيق تجربة تسويقية ثرية.

Menu & Search

التصميم بين الوظيفة والجمال!

17 مايو 2016

تصفح سالم سيلاً من التغريدات، رفع رأسه ونظر أمامه فاتحا شفتيه مع صوت قهقهة تكاد تُسمع، شعر بمسؤولية إبداء الرأي ليضعَ نقطة نظام لكل هذا الضجيج: “عمل عادي جدا لا يليق بشركة مثل (…)!” نشرها والتفت لقضية أخرى.
بعد ٤٣ دقيقة، حظيت التغريدة ب ٥٨ إعادة تغريد، و٣١ ردا! ٩٩٪‏ كانت من قبيل: “صدقت“، “والله عيب عليهم“، “شركة فاشلة“، “سالم أزيدك، أخوي الصغير يصمم أحسن من هذا“، “خخخخ لو دفعوا لي ربع المبلغ بسوي لهم أحسن من هذا“.
تردد عبدالله بالرد، خشي أن يعترض على سالم المصمم المعروف، ولكنه قرر الرد: “عذرا سالم، هل الجمال كل شي؟

لم يرد سالم على عبدالله، ولم يعلق أحد عليه من يومها!

في الماضي، اختلف النقاد: هل الفن للفن؟ أم الفن للمجتمع؟ وكان تساؤلا مهما وأساسيا، ولكن هناك الكثير من الفلسفة والنظريات، وما أفهمه يتلخص في شيئين: يرى أصحاب الفن للفن بأن الفن في ذاته غاية، فهو يتجرد من كل المؤثرات المحيطة (مثال: الرسم التجريدي، تصوير العري). أما أصحاب اتجاه الفن للمجتمع، فهم يرون أن الفن وسيلة، وعليه يجب أن يأخذ بالاعتبارات الموجودة، وخاصة الأخلاق. (مثال: رسم الطبيعة الواقعية، الحروب، الشعر الوصفي المتأثر بالبيئة المحيطة).
أما الاعتبارات فعديدة، وتختلف من مجتمع لمجتمع، ومن عصر لعصر، وتدخل فيها المعتقدات الدينية (كالحلال والحرام عند المسلمين)، والأعراف الاجتماعية، والبيئة بتفاصيلها الحية والجامدة.

الفنون في الماضي تتنوع بين الرسم والشعر والموسيقى والعمارة، بالإضافة إلى المسرح والرقص! وكانت تسمى “الفنون الجميلة“،  وتتمثل غايتها في إشباع الناس بالجمال!

مع دخول عصر الصناعة، وتطور التكنلوجيا، ظهرت فنون أخرى كالتصوير الفوتوغرافي، والطباعة، وشيئا فشيئا ظهر التصميم الجرافيك، والرسم الرقمي، واستخدم الفن البصري بازدياد مضطرد في كافة النواحي البصرية، كالتعليب، والإعلان، واللوحات التجارية، والشعارات، وصالات العرض، حتى باتت علوم تخصصية تظهر في هذا الجانب ربما أهمها: الهوية التجارية أو الهوية المؤسسية، والتي يندرج منها الهوية البصرية، والاتصالات والهوية السلوكية. وأصبح للفن البصري غاية أخرى تشترك مع الجمال، وهي غاية “وظيفية”، وهو ما سبب في ظهور مسميات جديدة، كالفنون التطبيقية، أو التصميم التجاري.

الفرق بين الفن والتصميم:

الفن (التعبير، الجمال): الفن خُلِقَ للجمال، العواطف، المشاعر، إنه شيء نستمتع ونعبر به، ونستغرق فيه، قد يتجلى للفنان فجأة بدون سابق تفكير، ينزل عليه ويملأه فيفيض به لذاته أولا، وربما للآخرين. هو مساحة حرة لمخيلة الفنان، يعكس فيها أفكاره وتوجهاته، سواء كانت مجردة أو متأثرة بالمحيط. وهنا عادة ما يكون الجمال والكمال هما الغاية. (الجمال في ذاته أمر نسبي، فما تراه أنت جميلا لا يراه الآخرون بالضرورة كذلك.)

أما التصميم (الاتصال والوظيفة): فهو يأتي لتحقيق “وظيفة، غاية، عملية اتصالية” معينة، فأنت -غالبا- تصمم (منتج، خدمة، مادة بصرية) للآخرين وليس لك، وتضع توجهاتهم، ونمط حياتهم، ورغباتهم واحتياجاتهم، كلها أمامك لتفعل الشيء الصحيح لهم وليس لك. والتصميم مرتبط بالأبحاث ومراحل التفكير الإبداعي، والتخطيط، وسلسلة من العمليات التي تراعي الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية.
في التصميم، لا يحتل الفن (الجمال) كُلَّ القصة، بل هو وسيلة جذب وإبهار، وتعبير عن التوجهات والأفكار، أما الوظيفة فهي الأهم وهي الغاية، فأنت تشتري كرسيا لتجلس عليه لا لكي تجعله تحفة تسر الناظرين، فإن كان كذلك فهو فن (جانب تعبيري) وليس تصميم (جانب وظيفي).

الفرق بين التصميم والفن - أمثلة

من الواضح أن الفن يراعي الفنان ذاته، فكره وتعبيره الشخصي، وهو حالة تتعلق بالروح والقلب، أما التصميم فيرتبط بنمط الحياة، بالأشياء التي نستخدمها وتكون جزء من حياتنا، كالتصميم المعماري، والتصميم الداخلي، وتصميم الجرافيك، وتصميم الأزياء، وتصميم واجهات الاستخدام.

الفرق بين التصميم والفن

ولذلك عزيزي المصمم، إن كنت عاشقا للفن، تستمتع به فكن كذلك، ولكن عندما يتعلق الأمر بالآخرين فسيتطلب منك -غالبا- التقليل من جنون الجمال إلى مراعاة الجانب الوظيفي للمنتج أو الخدمة أو المادة البصرية التي تقدمها. ولكي يتضح الجانب الوظيفي أكثر، سأتناول الآن مثالين بارزين في الأعمال البصرية:

الشعارات:

ماذا لو كنت لأول مرة ترى هذا الشعار: مستطيل مجوف بحدود صفراء. بصراحة كيف ستكون ردة فعلك؟ حسنا هل تعرف شعار صحيفة USA Today؟ تخيل بأنك الرئيس التنفيذي في هذه الصحيفة وقدمت لك الوكالة المنوط منها ابتكار الهوية البصرية شعارا عبارة عن دائرة زرقاء؟ ياه أخبرني ماذا ستقول لهم؟ هل ستقول لهم “وااااو مبهر” أم “………” ؟

الفرق بين الفن والتصميم - شعار ناشيونال جرافيك و USA Today

إن كنت متابعا لناشيونال جرافيك وفواصلها الإعلانية ومطبوعاتها، فأراك قد لاحظت مقدار الإبداع في توظيف هذا الشعار في هوية بصرية حيوية وذكية.

e60a939436707.560d57fc4aa48

أما USA Today فإليكم هذه الصور المأخوذة من الوكالة المنفذة للهوية البصرية:

USA TODAY LOGOimage_side_by_side_USAT_test21image_side_by_side_USAT_test43image_side_by_side_USAT_test_subway3

من الواضح أن الشعارين السابقين لا يحملان من الجمال في ذاتهما ما يمكننا إدراكه بدون أن نرى القصة كاملة، ولذلك فالشعار لعب دورا وظيفيا أكثر منه جماليا، فهو سهل التذكر، وقابل للاستخدام، وحيوي، ويعيش لعقود طويلة. هذه العناصر تهم العلامة التجارية لتبقى دائما في ذهن الجمهور، حسنا ما رأيك بشعار كوكاكولا؟ جميل صحيح؟ بالإضافة إلى جماله، فهو يحمل من الأصالة قدرا كافيا أبقاه طوال عقود ثابتا لم يتغير، في حين تطورت التفاصيل المرتبط بالهوية البصرية وبات اللون الأحمر وأيقونة زجاجة كوكاكولا عنصران أساسيان في حملات كوكاكولا الإعلانية.

هل الشعار جميل؟ ربما نعم، وربما ليس تماما، ولكنه هل سيبلو بلاء حسنا؟ هذا هو المعيار في الجانب الوظيفي وبناء العلامات التجارية، وما يدعو للتفاؤل، هو أن الناس تحب العلامة التجارية التي تمثل شخصيتها، فشعار Nike ليس بالضرورة جميلا، ولكن مئات الآلاف يفتخرون بوضعه على صدورهم!

الإعلانات:

في مجال الإعلان، للأسف تسقط بعض المؤسسات في فخ الفن والجمال وحسب، إذ يكون التركيز على جمالية التصميم، دون الاستغراق في وضوح الرسالة التسويقية والتي هي محور الإعلان وغايته.

إذا طلبت من فنان ماهر تصميم إعلان لمنتج ما، دون أن تخبره بالرسالة التسويقة والقرار المرجو من العملاء، فسيقدم لك عملا فنيا مبهرا وجميلا، وقد يصفق لجماله الكثيرون ويظهر إعلانك ضمن قائمة الإعلانات الإبداعية لهذا العام. ولكنك تتصل بمدير المبيعات وتسأله عن معدل نمو المبيعات، فيقول لك لا تقدم يذكر! لحظة لحظة يا صديقي قبل أن تنهار حسرة، فأنت كل ما فعلته هو تقديم عمل جميل ولكن لم تقدم إعلانا مؤثرا! فالإعلان له وظيفة تسويقية وليس إشباعا بصريا جماليا فقط. فلا تصدق أن الإعلانات غير الجميلة غير ناجحة بالضرورة، إطلاقا! فقد يقدم الإعلان (صورة أو فيديو) رسالة مؤثرة جدا بعيدا عن المؤثرات الفنية والجمالية، كما أن النجاح يقاس هنا بحجم المبيعات وليس بكمية الإعجاب.

إذهب للفنان المصمم وأخبره عن أهدافك التسويقية، وقبل ذلك استعن بكاتب إعلانات copywriter يبتكر لك الرسالة التسويقية التي تقنع جمهورك بأهمية اتخاذ القرار، ثم اذهب للفنان واطلب منه تقديم عمل جميل يترجم الرسالة التسويقة ويحقق وظيفتها وشاهد النتيجة. قد يقوم الفنان بإحداث تغيير جزئي أو كلي، فهو سيعطي عناصر أخرى في الإعلان أهمية أكبر.

إعلان إبداعي تظهر فيه هوية كوكاكولا بوضوح، وتقول الرسالة التسويقية: دعنا نأكل معا!

إعلان إبداعي تظهر فيه هوية كوكاكولا بوضوح، وتقول الرسالة التسويقية: دعنا نأكل معا!

 

الأمر ذاته ينطبق على كافة العناصر البصرية، فاللون الأحمر في كراسي المطاعم السريعة له هدف تسويقي، وحتى شكل تصميم الكراسي البلاستيكية غير المريحة في تلك المطاعم لها مقصد تسويقي (لا تريد المطاعم السريعة بقاء العملاء فيها لمدة طويلة، فالمبلغ المدفوع قليل ويجب اتاحة الفرصة لعدد أكبر من الناس للجلوس في تلك المقاعد -دوران الحركة-، بعكس المطاعم الفخمة حيث الأسعار المترفعة، فأنت حينها تدفع قيمة الطعام والمكان والخدمات).

الخلاصة:

  • إن كنت تقدم عملا بصريا لنفسك فافعل ما يحلو لك ولا تكترث لرأي الناس، أنت تعبر عن آرائك وأفكارك، ومن الصعب أن يتذوق كل الناس أسلوبك الفني.
  • إن كنت تصمم (منتج، خدمة، مادة بصرية) للآخرين، فركز كثيرا على الجانب الوظيفي.
  • عزيزي المصمم، في المؤسسات الربحية المبيعات أكثر أهمية من الفن، فاستخدم الذكاء والعبقرية بتقديم فن جميل مبهر، مع تجربة تسويقية مؤثرة.
  • لتدرك مدى أهمية الجانب الوظيفي ابحث في مسميات الوظائف التخصصية في مجال التصميم وستجد الأدوار غير المرئية.

براند اسنتجرام الجديد

صادف أن هممت بكتابة هذه التدوينة قبل إعلان انستجرام عن هويتها البصرية الجديدة، وكم كنت أتساءل إذا كان شعار انستجرام بسيطا؟ وهل يمكن أن يكون أبسط؟
تفاجأت من الإعلان! وهذا تعليقي:

  • إذا لم يحتوي الشعار على عيوب فنية، فلا يمكن الحكم عليه حاليا حتى نرى مع الوقت الإمكانيات المتوقعة منه. كونه جميل أو غير جميل لا يكفي للحكم عليه، فالقصة لا تقع فقط في الأيقونة وشكلها، أو التطبيق ومظهره، ولكن كافة العناصر البصرية الحالية والمستقبلية، فقد تكون لدى انستجرام خطط لمنتجات أو مزايا يقف الشعار السابق عائقا حولها.
  • الشعار الجديد يتناسب مع تغيير الشكل البصري للتطبيق، والذي اعتمد على الأبيض والأسود لتسقط عين المشاهد مباشرة على الصور والفيديوهات دون الالتهاء بجمالية التطبيق.
  • كما أن الجانب الوظيفي يبرز في سرعة تصفح التطبيق، وسهولة وجود التطبيق في مختلف المنصات وبمختلف أحجام الشاشات.
  • وما يدرينا ربما سنجد شعار انستجرام على منتجات ملموسة مستقبلا، كالأقمصة والأحذية، وحينها أي الشعارين يعمل بشكل جيد على تلك المنتجات: القديم؟ أم الجديد؟ أما أنا فأرى الجديد بلا منازع.
  • بغض النظر إن كان الشعار السابق أو الحالي مفضل لك، فالعملية الحسابية تدخل فيها عناصر عديدة وعديدة جدا تنتهي ب: المبيعات وقيمة العلامة التجارية.

انضم لقائمتي البريدية لأخبرك بجديد المنشورات هنا.

14 مناقشات إلى post

  1. يقول ابتسام:

    التدوينة تستحق القراءة، سأكون بانتظار تدوينات مستقبلية رائعة المعنى.

  2. يقول Khalid:

    مجهود اكثر من رائع … الطرح مثري للغاية و خصوصا في يتعلق بجدلية الهويات هل هي لمسة فنان ام هي فكرة المطور … تشكر اخي عبدالعزيز

  3. يقول ALWALEED:

    مقال رائع جدا…ويلامس الكثير من تجاربنا مع الزبائن …بوركت

  4. يقول Mahmood Alshaqsi:

    كنت متابع بكثافة الجديد فيما يخص الهوية البصريه والفن البصري ككل سواء على صعيد التصميم او الفوتوغرافيا ولكن بحق لم أجد سطورا ثرية تجمع بين الفن من نظرة عين الفنان وعين التاجر المنتظر للربح كهذه الاسطر التي نسجتها اناملك عزيزي عبدالعزيز..

    بحق لقد تغير مفهوم الجمال الفني لدي. كنت اعتبر ان كل ايقونه جميله كفيلة بأن تجذب لي الأعين وان تشد انتباه المتلقي وبذلك يتحقق الهدف التجاري منها “الربح” اما الان بعد تمعني لهذه الاسطر للمره الثانيه وجدت ان حقا علامة USA today ليست مجرد دائرة،،

    لن اسرد كل ما استفدت ،لأجعل بيننا لقاء وجلسة شاي معك يامبدع ونتبادل الحديث

    بإختصار
    تدوينه جات في وقتها

    محمود الشقصي

  5. يقول Ayman Al7aj:

    تدوينة ثرية استاذ عبدالعزيز. وضعت النقاط على الحروف..
    في إنتظار الجديد دومًا :)

  6. يقول الحارث الحارثي:

    دائما بعض الأمور تجعل حكمنا الأول عليها مبني على مشاعر أكثر من كونه مبني على تفكير منطقي.
    تدوينة رائعة ككاتبها .. شكرا لك

  7. يقول Mohamed Ahmed:

    كلام جميل طبعا .. ولكني ارى ان مايجعل الشعار يعيش فترات اطول و يثبت في ذهن الناس هو الدعايا و الإعلان و التسويق للمنتج بهذا الشعار…
    و ارى ان التصميم الجيد هو مايجمع بين الفن والوظيفة على حسب التعريف الموضح للفن في التدوينة.

  8. يقول أحمد فارس:

    ما شاء الله، مقاله جيده جداً ووصفت وفصلت الاختلاف بين الفن والتصميم بطريقة جميلة وبسيطة
    ومن الممكن لكل تصميم ان يكون فن لكن لا يمكن للفن ان يكون تصميم

لديك تعليق؟ فكرة؟ إضافة؟ هيا شاركنا

اكتب ما تريد البحث عنه ثم اضغط على زر الإدخال enter